محمد اسماعيل الخواجوئي

502

الرسائل الإعتقادية ( ط الأولى )

والعجب من ابن أبي الحديد أنّه كيف حمل ما في هذه الخطبة على أنّه وقع لترك الأولى ، وهو صريح في أنّه وقع لترك الواجب ، ولذلك كان عليه السّلام متفكّرا في أن يصول عليهم بيد جذّاء ، أو يصبر على طخية عمياء ، فصبر لقلّة الناصر ، أو لخوف ارتدادهم عن الإسلام بالكلّية ، أو لما في أصلابهم ، أو للعهد الذي اخذ منه ، أو لغير ذلك من المصالح والحكم . والظاهر أنّ ابن أبي الحديد كان في زمان تقية ، أو مكانها ، كما هو ظاهر سياق كلامه حيث رجّح ما عليه الشيعة بقوله « فيشكل الأمر علينا لا على الشيعة » وذلك لأنّه عليه السّلام قد قدح فيها في كلّ واحد منهم قدحا واضحا يدلّ على عدم استحقاقه وأهليته للخلافة ، وصرّح بأنّه كان أحقّ بها منهم ، بل نصّ على أنّها أمر لا يتمشّى من غيره ، وإنّما يدور عليه كما تدور الرحى على قطبها . وهذه عبارته على ما نقلها عنه الصدوق في معاني الأخبار ، بإسناده عن ابن عبّاس ، قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، فقال : واللّه لقد تقمّصها أخو تيم ، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ، ولا يرتقي إليه الطير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يذبّ فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى اللّه . فرأيت الصبر على هاتي أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ، حتّى إذا مضى الأوّل لسبيله عقدها لأخي عدي بعده ، فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته .